الرد على شبهة : رسول الله يحاول الإنتحار

مدونة مُكَافِح التَّنْصِير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
نسف شبهة نبي الإسلام يحاول الإنتحار

الحمد لله، و الصلاة و السلام على رسول الله، المبعوث رحمة للعالمين صلى الله عليه و على آله و صحبه أجمعين و سلم تسليما،
أما بعد :
فمدار الشبهة حول ما رواه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه :
قَالَ الزُّهْرِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : … وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا ، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ ، فَيَرْجِعُ ؛ فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا لِمِثْلِ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ” . [1]

أولاً الرواية ليست من قول أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها :
الرواية من بلاغات الزُّهري رحمه الله و هو من التابعين، و هو لم يشهد الحادثة و لم يسندها فقد اقتصر على : (فِيمَا بَلَغَنَا).
قال ابن حجر – رحمه الله – :
(ثم إن القائل ” فيما بَلَغَنا ” هو الزهري ، ومعنى الكلام : أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة . وهو من بلاغات الزهري وليس موصولاً ، وقال الكرماني : هذا هو الظاهر) [2]
وقال أبو شامة المقدسي – رحمه الله – :
(هذا من كلام الزهري أو غيره ، غير عائشة ، والله أعلم ؛ لقوله : ” فيما بلغنا ” ، ولم تقل عائشة في شيء من هذا الحديث ذلك.) [3]

ثانياً حال بلاغات الزهري رحمه الله :
بلاغات الزهري رحمه الله و غيره لا تقبل منه، لأنها مقطوعة الإسناد من أوله، فهي كالمعلقات، و مجرد وجودها في صحيح الإمام البخاري رحمه الله لا يعني البتة أنها صحيحة.

ثالثاً الرّواية لا تصح إِسناداً و لا متناً :
لقد سبقنا إلى الرد على هذه الشبهة الواهية، الإمام الجليل، محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله –، و قد ضعفها بجميع طرقها.
قال العلامة الألباني – رحمه الله – في ردّه على البوطي – رحمه الله – :
” قلت : هذا العزو للبخاري خطأ فاحش ذلك لأنه يوهم أن قصة التردي هذه صحيحة على شرط البخاري وليس كذلك وبيانه أن البخاري أخرجها في آخر حديث عائشة في بدء الوحي الذي ساقه الدكتور ( 1 / 51 – 53 ) وهو عند البخاري في أول ( التعبير ) ( 12 / 297 – 304 فتح ) من طريق معمر : قال الزهري : فأخبرني عروة عن عائشة . . . فساق الحديث إلى قوله : ( وفتر الوحي ) وزاد الزهري : ( حتى حزن النبي صلى الله عليه و سلم – فيما بلغنا – حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقى منه نفسه تبدى له جبريل فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك )
وهكذا أخرجه بهذه الزيادة أحمد ( 6 / 232 – 233 ) وأبو نعيم في ( الدلائل ) ( ص 68 – 69 ) والبيهقي في ( الدلائل ) ( 1 / 393 – 395 ) من طريق عبد الرزاق عن معمر به ومن هذه الطريق أخرجه مسلم ( 1 / 98 ) لكنه لم يسق لفظه وإنما أحال به على لفظ رواية يونس عن ابن شهاب وليس فيه الزيادة وكذلك أخرجه مسلم و أحمد ( 6 / 223 ) من طريق عقيل بن خالد : قال ابن شهاب به دون الزيادة وكذلك أخرجه البخاري في أول الصحيح عن عقيل به قلت : ونستنتج مما سبق أن لهذه الزيادة علتين :
الأولى : تفرد معمر بها دون يونس وعقيل فهي شاذة
الأخرى : أنها مرسلة معضلة فإن القائل : ( فيما بلغنا ) إنما هو الزهري كما هو ظاهر من السياق وبذلك جزم الحافظ في ( الفتح ) ( 12 / 302 ) وقال : ( وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا )
قلت : وهذا مما غفل عنه الدكتور أو جهله فظن أن كل حرف في ( صحيح البخاري ) هو على شرطه في الصحة ولعله لا يفرق بين الحديث المسند فيه والمعلق كما لم يفرق بين الحديث الموصول فيه والحديث المرسل الذي جاء فيه عرضا كحديث عائشة هذا الذي جاءت في آخره هذه الزيادة المرسلة
واعلم أن هذه الزيادة لم تأت من طريق موصولة يحتج بها كما بينته في “سلسلة الأحاديث الضعيفة” [4] برقم (4858) وأشرت إلى ذلك في التعليق على “مختصري لصحيح البخاري” (1/5) يسر الله تمام طبعه .
وإذا عرفت عدم ثبوت هذه الزيادة فلنا الحق أن نقول إنها زيادة منكرة من حيث المعنى لأنه لا يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم المعصوم أن يحاول قتل نفسه بالتردي من الجبل مهما كان الدافع له على ذلك وهو القائل : (من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً) أخرجه الشيخان وغيرهما وقد خرجته في “تخريج الحلال والحرام” برقم (447).). [5]

رابعاً أسانيد أخرى للقصة :
1. إسناد ابن مردويه :
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – :
ووقع عند ابن مردويه في ” التفسير ” من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله ” فيما بلغنا ” ، ولفظه : ” … فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم منها حزناً غدا منه ” إلى آخره ، فصار كله مدرجا على رواية الزهري عن عروة ، عن عائشة والأول هو المعتمد . [6]
قال الشيخ الألباني – رحمه الله – معلِّقاً على ترجيح الحافظ – :
ويؤيده أمران :
الأول : أن محمد بن كثير هذا ضعيف ؛ لسوء حفظه – وهو الصنعاني المصيصي – .
قال الحافظ :” صدوق كثير الغلط ” ، وليس هو محمد بن كثير العبدي البصري ؛ فإنه ثقة .
والآخر : أنه مخالف لرواية عبد الرزاق حدثنا معمر … التي ميزت آخر الحديث عن أوله ، فجعلته من بلاغات الزهري … .
فدل هذا كله على وهم محمد بن كثير الصنعاني في وصله لهذه الزيادة ، وثبت ضعفها . [7]

2. إسناد ابن سعد :
(أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي موسى عن داود بن الحصين عن أبي غطفان بن طريف عن ابن عباس)
قال الشيخ الألباني – رحمه الله – :
وهذا إسناد موضوع ؛ آفته : إما محمد بن عمر – وهو الواقدي – ؛ فإنه متهم بالوضع ، وقال الحافظ في ” التقريب ” : ” متروك مع سعة علمه ” ، وقد تقدمت كلمات الأئمة فيه أكثر من مرة.
وإما إبراهيم بن محمد بن أبي موسى – وهو ابن أبي يحيى – واسمه : سمعان الأسلمي مولاهم أبو إسحاق المدني – ، وهو متروك أيضاً مثل الواقدي أو أشد ؛ قال فيه الحافظ أيضاً : ” متروك ” ، وحكى في ” التهذيب ” أقوال الأئمة الطاعنين فيه ، وهي تكاد تكون مجمعة على تكذيبه ، ومنها قول الحربي :” رغب المحدثون عن حديثه ، روى عنه الواقدي ما يشبه الوضع ، ولكن الواقدي تالف ” .
وقوله في الإسناد : ” ابن أبي موسى ” أظنه محرَّفاً من ” ابن أبي يحيى ” ، ويحتمل أنه من تدليس الواقدي نفسه ؛ فقد دلس بغير ذلك ، قال عبد الغني بن سعيد المصري : ” هو إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء الذي حدث عنه ابن جريج ، وهو عبد الوهاب الذي يحدث عنه مروان بن معاوية ، وهو أبو الذئب الذي يحدث عنه ابن جريج ” . [8]

3. إسناد الطبري :
حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي : حدِّثنا يا عبيد..)
قال الشيخ الألباني – رحمه الله – :
ولكن هذا الإسناد مما لا يفرح به ، لا سيما مع مخالفته لما تقدم من روايات الثقات ؛ وفيه علل:
الأولى : الإرسال ؛ فإن عبيد بن عمير ليس صحابيّاً ، وإنما هو من كبار التابعين ، ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
الثانية : سلمة – وهو ابن الفضل الأبرش – ، قال الحافظ :” صدوق كثير الخطأ ” .
قلت : ومع ذلك فقد خالفه زياد بن عبد الله البكائي ؛ وهو راوي كتاب ” السيرة ” عن ابن إسحاق ، ومن طريقه رواه ابن هشام ، وقال فيه الحافظ :” صدوق ثبت في المغازي ” .
وقد أخرج ابن هشام هذا الحديث في ” السيرة ” ( 1 / 252 ، 253 ) عنه عن ابن إسحاق به دون الزيادة التي وضعتها بين المعكوفتين [ ] ، وفيها قصة الهمّ المنكرة .
فمن المحتمل أن يكون الأبرش تفرد بها دون البكائي ، فتكون منكرة من جهة أخرى ؛ وهي مخالفته للبكائي ؛ فإنه دونه في ابن إسحاق ؛ كما يشير إلى ذلك قول الحافظ المتقدم فيهما .
ومن المحتمل أن يكون ابن هشام نفسه أسقطها من الكتاب ؛ لنكارة معناها ، ومنافاتها لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقد أشار في مقدمة كتابه إلى أنه قد فعل شيئاً من ذلك ، فقال ( 1 / 4 ) : ” … وتارك ذكر بعض ما ذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ذكر … وأشياء بعضها يشنع الحديث به ” .
وهذا كله يقال على احتمال سلامته من العلة التالية ؛ وهي :
الثالثة : ابن حميد – واسمه محمد الرازي – ؛ وهو ضعيف جدّاً ، كذَّبه جماعة من الأئمة ، منهم أبو زرعة الرازي .
وجملة القول : أن الحديث ضعيف إسناداً ، منكر متناً ، لا يطمئن القلب المؤمن لتصديق هؤلاء الضعفاء فيما نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهم بقتل نفسه بالتردي من الجبل ، وهو القائل – فيما صح عنه – : ( من تردى من جبل فقتل نفسه ؛ فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً ) متفق عليه – ” الترغيب ” ( 3 / 205 ) – لا سيما وأولئك الضعفاء قد خالفوا الحفاظ الثقات الذين أرسلوه. [9]

_____________________________________________________________________________________

المراجع :

[1] ” صحيح البخاري ” برقم ( 6581 )
[2] ” فتح الباري ” ( 12 / 359 ) .
[3] ” شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى ” ( ص 177 ) .
[4] “الضعيفة” (10/450-458) ، وفيها قال (ص457-458) : (ولقد كان الباعث على كتابة هذا التخريج والتحقيق : أنني كنت علَّقْتُ في كتابي “مختصر صحيح البخاري” -يسَّرَ الله تمام طبعه- (1/5) إلى هذه الزيادة بكلمة وجيزة ؛ خلاصتها أنها ليست على شرط “الصحيح” ؛ لأنها من بلاغات الزهري . ثم حكيت ذلك في صدَدِ بيان مزايا المختصر المذكور ؛ في بعض المجالس العلمية في المدينة النبوية في طريقي إلى الحج أو العمرة سنة (1394) ، وفي عمرتي في منتصف محرم هذه السنة (1395) ، وفي مجلس من تلك المجالس ذكَّرني أحد طلاب الجامعة الإسلامية الأذكياء المجتهدين -ممن أرجو له مستقبلاً زاهراً في هذا العلم الشريف ؛ إذا تابع دراسته الخاصة ولم تَشْغَلْهُ عنها الصوارف الدنيوية- أن الحافظ ابن حجر ذكر في “الفتح” : أن ابن مردويه روى زيادة بلاغ الزهري موصولاً ، وذكر له شاهداً من حديث ابن عباس من رواية ابن سعد؟ فوعدته النظر في ذلك ؛ وها أنا قد فعلت ، وأرجو أن أكون قد وفقت للصواب بإذن الله تعالى).
[5] “دفاع عن الحديث النبوي” (40-41).
[6] ” فتح الباري ” ( 12 / 359 ، 360 ).
[7] ” فتح الباري ” ( 12 / 359 ، 360 ).
[8] ” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 10 / 451 ).
[9] ” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 10 / 455 – 457 ).

Advertisements

About أبو إسلام المغربي

مُسلم سُني على منهج السلف الصالح، يرجو تمام النِّعمة من الله عليه و على والديه في الدنيا والآخرة، وتمام عفوه و رِضاه عنه و عن والديه

Posted on 06/26/2013, in كشف الشبهات. Bookmark the permalink. تعليق واحد.

  1. السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

    السؤال لماذا اخرج الامام البخاري أمير المؤمنين في الحديث هذه البلاغات ; الادراجات التي تشكك في دين الملك القدوس ?
    الرجاء الإجابة من غير محاولة تعليل و إالتماس الأعذار للسادة العلماء…لن يقبل عذر النزاهة و الامانة العلمية لان شر هذه البلاغات اكبر بكثير من توخي الامانة في النقل.
    فلولا زلاتهم لما خرج كثير من الشباب الى الالحاد نسال الله السلامة ….و الله المستعان

أضف تعليقا على هذا الموضوع

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: